بدت لي حلب للوهلة الأولى مدينة تضج بالحياة والأضواء ولكنها حقيقة مدينة مسكونة بالخوف والازدواجية شارع القوتلي وشارع بارون ... ترقص فيهما الأضواء المبهرة بينما الأسواق الشعبية مسكونة بالبهجة والحبور .
في حين كانت كل وبلاطة ومئذنة في المسجد الأموي تشعرني بالسكينة والرضا .. ، وفي كل زيارة له تنساب روحي مع حمائمه البيض وهكذا غيرتني حلب التي قدمت إليها عروسا ... وانقلبت حياتي رأسا على عقب ... بعد أن تركت مدينتي الصغيرة حيث الصمت ... وغدت القيم الاجتماعية المقدسة رجعية وابتعادا عن الحضارة ، وغدوت الضائعة في مدينة كبيرة ... أحاول إرضاء مجتمعي الجديد الذي يترأسه زوجي ... دون أن أخطو خطوة واحدة نحو الأفضل ...
وانقلبت تعاستي إلى سعادة حين تعرفت على أسرة رعتني من أقرباء زوجي ، وشعرت بالانبهار الشديد ناحيتها ، فالزوجة فرنسية تدعى جينيت ورب الأسرة طبيب قلبية معروف والأطفال مهذبون مجتهدون وحينها قررت أن تكون هذه الأسرة مثلي الأعلى وارتحت من عناء التفكير والمقارنة والموازنة بين القيم القديمة والقيم الحديثة ، وتركت مهمة التفكير والتخطيط لتلك الأسرة والتنفيذ لي ..
أحبتني جينيت كثيرا وعلمتني طهو الحلويات الفرنسية اللذيذة بلغتها العربية المكسرة ، كما أعطتني دروسا باللغة الفرنسية وفي سهرات الأسرة ، كانت جينيت تعزف على البيانو ، وسط نظرات الإعجاب من أفراد الأسرة وانكماشي .
وفي يوم اعتبرته مميزا وسعيدا لأن جينيت اختارتني لاصطحاب ابنتها ( ليما ) إلى حفل ملكات جمال الأطفال فجينيت لا تجيد العربية بشكل يؤهلها لدخول مجتمعات جديدة ... كما أن الناس من وجهة نظرها قد لا يزالون يكنون سخطا على الفرنسيين لقرب عهد الاحتلال .
وهكذا أخذت الصغيرة ( ليما ) التي تبلغ من العمر ست سنين ... وهي طفلة باهرة الجمال ، تملك شعرا بنيا ناعما وعينان خضراوان ووجه لا يدانيه وجه بالجمال ... لـ ( ليما ) بشرة بيضاء نقية ونمش ناعم موزع على وجنتيها بنعومة... ويومها ... تناولت ( ليما ) عندي وجبة الغذاء ...
بالشوكة والسكين وبكل أدب وعناية بالنظافة وقمت بإلباسها ثيابها الخاصة بالمناسبة ، فستان أسود متقن الصنع مذيل بالأوركنزا البيضاء المكشكشة ، وأكمامه القصيرة وياقته مصنوعة من الحرير اللامع في حين أن بقية الثوب من الحرير الغير ملتمع ...
بالطبع الفستان فرنسي الصنع ... وحينها تذكرت ( هند ) ابنة خالي الآغا ، والتي كانت تدرس في دار المعلمات في حلب ... وحين تعود إلى مدينتنا الصغيرة الغارقة بالبؤس والنميمة والنقد الغير بناء ... تحدثنا عن حلب ومجتمعاتها الراقية ... أين أنت يا هند لتري المجتمعات التي أخالطها .
وأين أنتم يا أقربائي لتروا ( جينيت ) تختارني لاصطحاب ابنتها لحفل راق ... دونا عن جميع نساء العائلة ...
وهكذا ارتديت أجمل وأرقى ملابسي وذهبنا ـ أنا وزوجي وليما ـ إلى الحفلة الكائنة في نادي حلب ، وحين وصلت إلى النادي ، عرفت معنى ( مجتمع مخملي) للمرة الأولى .. الدرج حجري ملتف وملتقٍ بالدرج الآخر ... والصالة كبيرة مزينة بالورود البيضاء وأغطية الطاولات بيضاء نظيفة ومكوية في حين أن الكراسي فخمة مصنوعة من أجود أنواع الأخشاب المزينة بحفر اليد .
بدا الناس للوهلة الأولى ممثلو سينما مطليون بالألوان ...
وبدت النساء شعور لامعة مسرحة ...
وثياب مسايرة لأحدث صيحات الموضة ... والرجال يرتدون بذلات ( سموكن ) وربطات عنق أنيقة ... وتذكرت أقاربي اللذين قالوا أن لن أتلاءم مع الحياة في حلب ... لقد تلاءمت وأصبحت مثلهم ... بل أفضل منهم ... وقبل بدء الحفل ... اقتربت مني وللأسف الشديد هند ... ابنة خالي الآغا ... وهي مرتدية أجمل الملابس وبأبهى زينة ... وألقت علي تحية باردة وحين شعرت هند أني اغتظت منها ... جلست على طاولتنا ممسكة بيدها ابنة أخيها القاضي وهي في مثل عمر (ليما ) وبدأت الأحاديث المعتادة عن المدينة الكئيبة وهي على التوالي ـ الانتقاد ـ التسفيه ـ الاحتقار لكل من نعرفه .
ثم امتد الحديث ليشملني فانتقدت ملابسي وطريقة زينتي ثم انتقلت إلى حديث الذكريات المرّة ، فذكرتني بمشاجرتي مع الجارة من أجل الثقب في الوعاء النحاسي الملقب بـ ( الحوق ) ، ثم ذكرتني بقصة الحب البائدة بين خادمة أسرتي وخادم أسرتها ... ورأيي المتخلف بهذه القصة حين قلت : ( الخادمة للضرب وليست للحب ) فانزعج زوجي التقدمي من رجعيتي وتأخري عن ركب الحضارة المتمثلة بالمساواة والعدل بين الأخوة في البشرية .
وكسبت هند المعلمة الجولة ... وأشعرتني بالخزي ... ولم يعد للحفلة معنى ولا للبرهجة معنى ... وفقدت المناسبة بريقها ، رغم تتويج ( ليما ) نائبة لملكة جمال الأطفال ، وعدم حصول ابنة أخ هند على أي لقب .
اللهم إسترني فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض اللهم إستر عيوبي وإغفر ذنوبي وإجعل حياتي برداً وسلاماً كما جعلت النار على إبراهيم برداً وسلاماً اللهم إذقني برد عفوك وحلاوة مغفرتك اللهم سخرلي وإختر لي فإني قد عجزت عن صلاح نفسي وفوضت امري إليك سبحانك