لرسوم الجدارية هي وثائق تؤرخ لحياة الشعوب والأمم خلال مختلف عصورها وتزود المؤرخين بمعلومات قيمة عن تاريخ الفن والأديان والعبادات والطقوس اليومية وفي التراث الحضاري السوري الكثير من نماذج هذه الرسومات التي اكتشفت في الممالك القديمة التي سادت على هذه الأرض قبل ألاف السنين أو في الحضارة الإسلامية خلال مراحلها التاريخية المتعاقبة 0 ولعل ابرز ما وصلنا من فنون الرسم القديمة على الجدران ما اكتشف في مملكة ماري الواقعة على بعد 13 كيلو متر غربي مدينة البوكمال على ضفة الفرات اليمنى من ألواح جدارية مرسومة وهي تؤلف رغم تخريبها مجموعة ذات أهمية عظيمة لدراسة فن الرسم العموري في الألف الثاني قبل الميلاد وتؤكد هذه الألواح وجود جو فني تنافس فيه الفنانون في إبراز عبقريتهم وتخليدها بلوحات رائعة توضح أسمى مكان يحلم فيه الفنان وقد ساعد ملوك الشعب العموري على إيجاد هذا الجو بان تبنوا الفنان وأصبح له حظوة مرموقة في بلاطهم واستطاع الفنان العموري بحسه السليم ومعرفته للمبادئ والأصول الفنية والتمكن من الصنعة وبإطلاعه الواسع على فنون عصره ومتطلبات واقعه أن يصوغ روائع إنتاجه ولحسن الحظ فان هذه الوثائق الفنية التي وصلتنا رغم إساءة المعاملة لها من قبل المعتدين والمخربين ورغم افتئات الزمن وعوارض الطبيعة ظلت شواهد على أن مدرسة الفن في مدينة ماري قد فاقت غيرها من مدارس العصر انذاك وحتى مدارس العصور التي لحقت به 0 تنصيب ملك : تعتبر رسوم ماري الجدارية الملونة إبداعات منقطعة النظير بطريقة تنفيذها المميزة وبتشكيلها اللوني الرائع الثري بالمشاهد ويعد الرسم الجداري الذي يطلق عليه اسم تنصيب الملك / زيمري ليم / والذي اكتشف في موضعه الأصلي على الجدار الى يمين المدخل المؤدي من فناء النخيل الى الصالة في قصر ماري من أفضل الرسوم الجدارية الباقية الى الأن ونفذت هذه الصورة الجدارية على الطينة واستخدم لتلوينها كل من اللون الامغر الضارب الى الحمرة والبرتقالي والأحمر والأصفر والأزرق والأخضر والأبيض والأسود وتسمية / التنصيب / التي تطلق على المشهد الرئيسي المنفذ في القسم العلوي من الصورة مضللة وذلك لان هذا المشهد لا يمثل حفلا رسميا ينصب فيه الملك من قبل الالهة وإنما يصور احتفالا طقسيا يظهر الملك / زيمري ليم / رافعا يده بالتحية إجلالا للالهة عشتار وتتميز عشتار بتاجها ذو القرون وبأسلحتها النامية من كتفيها وبالأسد الهاجع ويحيط بهذا المشهد الرئيسي إلهات متشفعات وغيرهن من اللواتي يحملن / ماء الحياة / وكائنات خليطة للحماية وأشجار تحمل الثمار المقدسة وأشجار نخيل ينطلق من قمة أحداها طائر ازرق بينما يتسلق بعض البشر جذوعها ويعبر هذا المشهد كما هو الحال في الرسوم الجدارية الأخرى في القصر عن عرض مثير للممارسات الطقسية والأسطورية بجانب بعضها البعض وهي تشكل مثالا نموذجيا للتنوع الفني في قصر ماري حيث ينبئ تصوير الالهة عشتار والألهات المتشفعات عن تأثيرات بابلية بينما يرجع إسلوب تنفيذ النخيل بتفاصيله القريبة الى الطبيعة الى عالم التصوير المصري القديم أما / الملك / فيظهر بالزي السوري الذي هو عبارة عن رداء غني بالزخارف معتمرا بقعة عالية 0 الرسوم الجدارية في معبد بعل بدورا اوروبوس / 180 – 250 / م يتم اكتشاف مجموعتين من الرسوم الجدارية على جدران معبد بعل في دورا اوروبوس عن أهمية لايمكن تقديرها للألمام بفن التصوير في سورية إبان العصر الروماني وفي حين تتوفر الإمكانيات لمشاهدة سلسلة الرسوم الجدارية المكتشفة في المعبد من خلال سياق إعادت تركيبها في المتحف وتبقى الرسوم الجدارية في معبد بعل تزين القاعة المقدسة التي أعيد بناءها في المتحف ومن اللوحات الموجودة على الحائط يتضمن صورة قربان الكانون المبرهن على تسميتها بنقش كتابي وهي عائدة الى / 180 / م تقريبا تظهر الصورة كاهنين بالثوب الأبيض الطويل والقبعة العالية المدببة وهما يؤديان قربان المحرق لكانون الذي يرافقه أولاده وأحفاده وهم مذكورين جميعا اسميا كل على حدة في نقش مرفق باللغة الإغريقية ويظهر الأفراد الرئيسيون في شريط الصورة العلوي وهم مصورين بشكل يتعدى الحجم الطبيعي ومصفوفين بشكل جبهي بجانب بعضهم البعض ورؤوسهم مرفوعة بعلو واحد ويلاحظ بقاءهم منحبسين بجمود ومحاطين بإطار معماري مرسوم بشكل منظوري يحافظ على التماثل بصرامة إلا أن الترتيب غير المتماثل لقامات الأشخاص الظاهرة في مقدمة الصورة ويتبع اختيار الألوان السعي نفسه للوصول الى صورة منسجمة كليا وتبوح موهبة الفنان في رسم الأشخاص عن نفسها من خلال الفردية في رسم الوجوه .